حبس المدون مايكل نبيل: وهم التجاوز والوقيعة وآثره علي ثورة الحرية

القوات المسلحة تسمح بالنقد ولكنها لا تسمح بالتجاوز!!

.تلك الكلمات التي ملئت أذاننا من جنرالات المجلس العسكري الأفاضل في تصريحاتهم علي صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون المصري والفضائيات بعد صدور الحكم العسكري الجائر في يوم 10 إبريل2011 بحبس المدون مايكل نبيل سند 3 سنوات بسبب تدوينه كتبها بشكل رائع علي شبكة الإنترنت – حول العلاقة المعقدة بين الجيش المصري والشعب وانتقاده المهذب والمحق للتجاوزات التي ارتكبها بعض ضباط المؤسسة العسكرية في حق مواطنين مصريين في ميدان التحرير-,نري أنها تستهدف بالأساس أمران,الأول هو الرد علي الإدانات الحقوقية والانتقادات الشديدة التي وجهها النشطاء المصريين والمنظمات الحقوقية لهذا الحكم وتعبيرهم بوضوح عن خشيتهم من الخطر الذي يشكله علي حرية التعبير بعد ثورة يناير المجيدة, وثانيهما تهيئة الرأي العام المصري علي تقبل قمع المجلس العسكري لحق المواطنين في التعبير عن أرائهم بشكل سلمي مستخدمين في ذلك التراث الوطني لمؤسستنا العسكرية التي نقدرها جميعا.

وما لا أخفيه عليكم إنني منذ أن سمعت أذني هذه العبارة من أحد اللواءات علي شاشة أحدي قنوات ماسبيرو وأنا أشعر بالاشمئزاز الشديد ليس فقط لخشيتي علي أهداف ومطالب الثورة المصرية من أن يتم الالتفاف عليها بقصد أو بغير قصد، وخاصة المطلب الخاص بالحرية والذي كان أحد ثالوث في الشعار الذي رفعه الثوار منذ اليوم الأول لثورتهم”تغيير..حرية..عدالة اجتماعية”، وأيضا ليس فقط لأنني كجموع المصريين أرغب في التغيير الحقيقي الذي يكفل الحرية الفعلية وليست الشكلية، وإنما لأن خبرتي التي اكتسبتها من عملي في الدفاع عن حرية التعبير جعلتني أفهم وأعي جيداً كيف تستخدم تلك الكلمات الفضفاضة مثل “تجاوز” في تبرير جرائم لم ولن تغتفر ضد الحق المقدس في حرية التعبير خاصة وإنني حتي هذه اللحظة لم أفهم ماذا كان يقصد جنرالات المجلس بكلمة “تجاوز”المطاطية. وما يمكن أن نعتبره تجاوز في وجهة نظرهم، وهل يصح أن يتم معاقبة أصحاب الآراء بهذا المبرر الواهي بالسجن لسنوات؟؟!!

دوافعي في كتابة هذا المقال تتعلق بأمور عدة ترتب عليها رفضي للحكم القاسي الصادر بسجن مايكل، أهمها ما يخص حق مايكل نبيل كإنسان في أن يتمتع بحقه الذي هو مثل حقنا في التعبير عن الرأي بعيدا عن اتفاقنا أو اختلافنا مع سلوكياته وأفكاره وبعيدا عن محاولات المجلس العسكري العديدة بذكر مواقف سابقة لمايكل وعرضها علي الرأي العام -مثل موقفه من التجنيد الإجباري ودولة إسرائيل- ومحاولة وضعها كمبررات علي نية مايكل المسبقة لإحداث الوقيعة بين الجيش والشعب وربط هذا الآمر بالثورة المضادة بشكل يجعل المواطنين المصريين يقبلون كل الانتهاكات التي يتعرض لها المدون الشاب وهو ما حدث فعلا وليس هذا فحسب بل وصل الآمر إلي حد تناسي قطاع كبير من النخبة في مصر الحق المشروع في التعبير،مخالفين ادعاءاتهم الدائمة والمستمرة بدفاعهم عن الحقوق للجميع بشكل عادل دون النظر للأفكار أو الإيديولوجيات المختلفة، ولكنهم وللأسف انكشفوا في أول رد فعل عملي وقبلوا بأن يستباح حق مايكل في التعبير وان يسجن 3سنوات بسبب تدوينه هي أفضل ما كتب المدون الشاب علي الإطلاق من وجهة نظري.

وفي هذه المسألة يجب أن لا يمر الحديث دون أن أوضح بإيجاز أن ما تم عرضه من قبل مجلسنا العسكري الموقر بشأن مواقف مايكل وخلفياته السابقة كلها أمور لم يتم تقديمه بموجبها للمحاكمة ولم يصدر في حقه إدانة أو حكم علي خلفيتها، وهي نفسها المواقف التي كان مايكل يعلنها قبل سقوط النظام المباركي دون أن يتحرك للمجلس الموقر ساكن، وإنما الحكم العسكري الصادر بحق المدون كان بسبب كتابته تدوينه بعنوان “الجيش والشعب عمرهم ما كانوا أيد واحدة” ذاكرا وجهة نظره علي وقائع حدثت بالفعل مستندا في ما ساقه من أحداث إلي تقارير وأخبار نشرت فعليا في العديد من الصحف ووكالات الأنباء الدولية والمحلية مبديا خشيته- كقطاع كبير منا- من تخلي المجلس العسكري عن الثورة وأهدافها.

أي آن قضية مايكل نبيل لم تكن اتهامه بالتجاوز أو الوقيعة أو غيرها من الصور الوهمية التي أحاط بها المجلس العسكري والإعلام المصري واقعة صدور هذا الحكم، بل إنها كانت وفي حقيقة الآمر أول قضية رأي بعد الثورة وأول حكم يصدر بحبس مدون علي آراءه بعد ثورة الحرية التي كان يجب أن تكفل لنا الحرية بدلا من أن تصادرها بمسميات مثل التجاوز والوقيعة.

أما عن ما يخص خشيتي علي أمال وطموحات ثورتنا ومدي تأثير هذا الحكم القاسي علي أحد أهم عناصرها وهي الحرية، أود أن أوضح أمر هام وهو أن الثورة المصرية قامت وهي تأمل في تحقيق واقع أفضل للديمقراطية والحريات في مجتمعنا ولترسخ الحقوق الأساسية للإنسان والتي من أهمها الحق في حرية الرأي والتعبير وحرية استخدام الانترنت ولا يتصور الحديث عن نجاحها في تحقيق أهدافها دون أن يتم كفالة هذا الحق لما يشكله من أهمية بالغة علي التمتع بباقية الحقوق وعلي التطور والتغير الحقيقي في مجتمعنا وواقعة مايكل تذكرنا كثيرا بما تعرض له الكثير من المدونين ونشطاء الإنترنت من محاكمات واعتقالات أثناء حكم النظام السابق والتي اعتمد فيها أيضا علي لفظات مطاطية مثل الآمن العام والعادات وغيرها من الكلمات المطاطية التي تشبه في جوهرها لفظ تجاوز الذي استخدمه المجلس العسكري, وبينما كان النظام السابق يستهدف من ذلك تكميم الأفواه وعدم الكشف عن الفساد المستشري في البلاد فإننا يجب آن نتسائل هنا هل يوجد ما يخشي المجلس العسكري أن يتم الكشف عنه؟!

وهل هم محقون في انحيازهم للثورة ووعودهم بتبني مطالبها؟!

 

*      *       *

تلك الأسئلة لن نستطيع الإجابة عليها الآن خاصة وآن للمجلس العسكري سبق وان اتخذ بعض الخطوات الإيجابية التي لا تجعلنا نستطيع تبني رؤية واضحة حول انحيازه للثورة أو ضدها وهذا طبعا إذا ما وضعنا في الاعتبار سلبية الحكم الصادر في حق مايكل نبيل وما تعرض له معتصمي التحرير من انتهاكات والبطء الشديد في محاكمة الفاسدين,وهذا بدوره يؤدي إلي اهتمامي بأن أقدم رؤيتي كشاب في عمر مايكل أول سجين رأي بعد الثورة للمصريين و للمجلس العسكري حول ملابسات الواقعة فربما يكون أفضل من النظام السابق الذي تم إسقاطه بفعل الثورة وأن يكون لديه قدرة علي الاعتراف بأخطاءه وتداركها سريعا قبل أن تتفاقم لتضيع معها مكاسب الثورة التي دفع ثمنها الاف الشهداء والمصابين.

ورؤيتي هذه في رفض الحكم بحبس مايكل تتلخص في أن مايكل تمت محاكمته أمام محكمة عسكرية استثنائية غير مختصة بنظر القضايا المتعلقة بالمدنيين وإنه وان صحت إدعاءاتكم بأنه ارتكب جرم يستحق العقاب فكان يجب عليكم تقديمه لمحاكمة مدنية مختصة بدلا من محاكمته أمام استثنائية في محاكمة يشوبها العديد من الشكوك وأهمها ما حدث في جلسة صدور الحكم من إبعاد للمحامين وخداعهم بميعاد آخر غير حقيقي لصدور الحكم حتي يصدر بشكل غير سري وهم بعيدون عن المحكمة، ومن جانب آخر فهذا الحكم جاء ليكون صفعة قوية علي وجه الثوار الذين اعتقدوا أنهم سيجدون قدر كافي من حرية الرأي والتعبير خلال المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد يمكن الأشخاص و الجماعات السياسية المختلفة من عرض أرائهم وبرامجهم وأفكارهم علي المواطنين قبل الانتخابات البرلمانية القادمة التي ستكون أول اختبار حقيقي للثورة والتطور الديمقراطي الحادث كنتيجة لها كما أنه أيضا يجعلنا نتخوف من تعمد القوات المسلحة استخدام هذه الالية في تقديم كل من يتجرأ وينتقد قراراتهم أو سياساتهم للمحاكمات العسكرية الاستثنائية التي شكلت اكبر خطر علي الثورة حتي الآن،لا سيما وانه في ظل تقديم مايكل وغيره من المواطنين لمحاكمات عسكرية – صدر فيها أحكام سريعة جدا بالحبس لمدد طويلة – مازال الفاسدون وقاتلي الثوار الذين أسقطتهم الثورة يقدمون للمحاكمة أمام قضائهم الطبيعي وتتم إجراءات محاكمتهم بشكل بطئ للغاية لدرجة عدم صدور آي حكم بإدانة أي شخص منهم حتي الآن.

 

*      *       *

أضف علي ذلك أن مايكل من وجهة نظرنا لم يرتكب آي جرم من الأساس كي تتم محاكمته لأنه لم يفعل سوي أن استخدم حقه المشروع في كتابة تدوينه حول تخوفات يحملها هو و غيره من العديد من شباب الثورة المصريين ولهم كل الحق في ذلك بعد واقعة المتحف المصري وواقعة الهجوم علي الميدان من قبل عسكريين ,وهذا فضلا عن استخدام مبررات ووسائل سبق وأن استخدم مثلها النظام السابق الساقط بفعل الثورة في قمع الأصوات المعارضة له وهو ما لو صح يعني أننا انتقلنا من الديكتاتورية المباركية الي حقبة آخري من الديكتاتورية العسكرية.

وقبل نظر الطعن في حكم مايكل فعلي المجلس العسكري أن يعي أنهم لديهم حياتهم العسكرية الخاصة جداً داخل المؤسسة، والقائمة علي مجموعة الأحكام القاسية التي تتناسب مع مهامهم الحساسة في الدفاع عن ارض مصر من المخاطر الخارجية، وهذه الطبيعة العسكرية لا تقبل بأى حال من اﻷحوال أن يوجه المرؤوس نقد لرئيسه بل عليه أن ينفذ الأوامر والتعليمات بشكل مباشر دون نقاش. إنما الحكم لدينا نحن المدنيين يختلف تماما حيث أن حكومتنا يجب أن تأتي برغبتنا لتعمل علي تحقيق طموحاتنا في حياة كريمة,وهذا نفسه ما سمح للمجلس العسكري بالتواجد في الحكم الآن بشكل مؤقت بعد ثورة رائعة دفع فيها المصريين ثمن غالي من دماءهم وأرواحهم حتي تأتي سلطة جديدة يكون لديها القدرة علي تحمل انتقاداتهم وإصلاح ما لا يروق للشعب الذي هو مصدر السلطات ومنها سلطات المجلس وهو ما يعني أن طالما المجلس هو الجهة التي ستتولي إدارة شئون البلاد حتي ولو بشكل مؤقت عليه ان يتسع صدره لتحمل نقدنا وتحمل ممارستنا لحقنا الطبيعي في التعبير,كما ان المجلس يجب ان يضع في اعتباره ان واقعة اختطاف مايكل وتقديمه للنيابة العسكرية ثم المحكمة وصدور هذا الحكم القاسي في حقه جعلنا قلقون في الغاية علي ثورتنا التي لن ولم تكتمل دون آن يحترم المجلس الحق في حرية التعبير وهو واجب علي المجلس أن يضعه في الاعتبار إذا ما كان يريد حقا تحقيق أهداف الثورة.

وأخيرا أود أن أقول أن مايكل نبيل سند سجين الآن لأنه يدفع ثمن استخدام ما هو حق له ويمكن أن يكون بجانبه في المرة القادمة أحدنا,لذلك لن أخفي خشيتي علي حق حرية التعبير والثورة المصرية الي ان نري مايكل نبيل طليقا يتمتع بحريته.

كريم عبد الراضي

محام وباحث بالشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *