أسئلة خلافية داخل الثورة

جردل منال وعلاء” واحدة من أوائل المدونات العربية، تنبع أهميتها من أن القائمين عليها- الزوجين منال وعلاء- لم يكونا فقط مجرد مدونين وناشطين سياسيين، لكنهما حاولوا تقديم الدعم التقني للمدونين المصريين منذ عام 2005 مع بداية انتشار التدوين في مصر، كما أنهما قاما بتأسيس مجمع المدونات المصرية والذي يجمع التدوينات من عدة آلاف من المدونات المصرية.
في هذه التدوينة يحاول علاء عبد الفتاح فتح نقاش حول عدة قضايا سياسية تمر بها مصر في الفترة الحالية مثل التعديلات الدستورية والجيش والبرلمان والانتخابات.
مدونة جردل منال وعلاء
www.manalaa.net
أسئلة خلافية داخل الثورة

لأول مرة منذ بداية الثورة نلاقي نفسنا في خلاف حقيقي وسط جمهور وقوى الثورة. من 25 يناير الى يوم التنحي كنا متفقين كلنا بملايينا على الأهداف والوسائل، بعد سقوط مبارك انتقلنا لمرحلة متفقين فيها على الاهداف لكن مختلفين على الوسائل (استمرار الاعتصام في التحرير أم لا). بعد سقوط شفيق وتلقي أمن الدولة ضربات موجعة مستمر اتفاقنا على الأهداف الكبيرة لكن دخلنا ولأول مرة في منطقة خلافية بحق، ولأول مرة تنقسم صفوفنا.
الانقسام ده معبر عنه في جدل التعديلات الدستورية وهل نصوت بنعم أم لا، لكن بعد أسبوع من النقاش حول التعديلات يبدوا لي أن الأفيد أن نتناقش في نقاط الخلاف نفسها (و كلها مرتبطة بالخطوات نحو ارساء الديمقراطية)، هحاول أرص نقاط الخلاف وفهمي للمواقف المختلفة ورأيي في كل نقطة فيهم وأتمنى ده يشجع نقاش واسع على كل نقطة على حدة.
 أولا الدستور:
يبدوا أن فيه اتفاق واسع على ضرورة صياغة دستور جديد، دستور 71 جزء من النظام نفسه، وواضح أن طموح الجماهير هو مصر جديدة لا تشبه الماضي بالمرة، وضروري يعبر عن ده في الدستور. لكن الخلاف على من يصيغ الدستور ومتى
من يصيغ الدستور؟
هل يصيغ الدستور جمعية تأسيسية منتخبة؟ أم لجنة معينة؟ ولو لجنة معينة من يشكلها؟ برلمان منتخب؟ أم رئيس منتخب؟ أم سلطة انتقالية؟ أو توافق ما بين بعض السلطات وبعض قوى الثورة؟
التعديلات تطرح جمعية يختارها مجلسي الشعب والشورى المنتخبين في انتخابات نزيهة، ده بالنسبة لي أفضل وسيلة لو قبلنا بجمعية تأسيسية معينة، لكن لو ممكن الاتفاق على جمعية تأسيسية منتخبة ده يكون أفضل وأفضل.
ما لم نتطرق اليه هو كيفية تشكيل وانتخاب الجمعية التأسيسية، حسب فهمي الدستور يحتاج توافق مجتمعي واسع وبالتالي يفضل الجمعية التأسيسية يكون فيها حصص ثابتة تمثل طوائف الشعب وتكتلات المصالح المختلفة، يعني مثلا عدد من المقاعد لأساتذة الجامعة وعدد للنقابات المهنية وعدد للنقابات العمالية وعدد للنساء وعلى مقعدين من كل محافظة الخ.
متى يصاغ الدستور؟
بعد تنحي مبارك على طول انفجر نقاش المادة الثانية، وتزامن معه مظاهرات ومنشورات تناي باسلامية الدولة، وقتها كان فيه قلق واسع من النقاش ده واتفاق واسع داخل قوى الثورة أنه مش وقته ونستنى لما نرسي الديمقراطية الأول وبعدين نتكلم في الحاجات دي.
الآن بعضنا ينادي بانتخابات رئاسة ثم دستور جديد، والبعض ينادي بدستور جديد أولا قبل انتخاب أي سلطة، بينما تطرح التعديلات خيار انتخاب السلطة التشريعية والرئيس ثم دستور جديد (بمدة زمنية محددة أقصاها 12 شهر بعد انتخاب المجلسين).
كان رأيي وقتها ولا يزال أننا مجتمع بداخله خلافات جذرية في تصور الشكل المستقبلي الأمثل، وبالتالي صياغة دستور يرضي الكل (أو أغلبية كبيرة جدا) يستدعي فترة طويلة من الحوار والجدل والحوار ده ممكن يأخذ صور مشحونة أو يحصل على هامشه مشاكل، الصراحة أني متخوف من البدء في الحوار ده تحت أي أوضاع غير مستقرة، بما فيها الحكم العسكري الحالي والغياب الأمني وعدم الانتهاء من تفكيك أمن الدولة وفلول الحزب الوطني، وفي ظل آلة اعلامية رسمية لا تزال تعمل بشكل سافر ضد الثورة وضد المصلحة العامة.
أفضل تأجيل صياغة الدستور لما بعد انتخاب سلطتين تنفيذية وتشريعية وبعد أخذ خطوات أكبر في جهود تطهير البلاد. كما أفضل أن تتم عملية صياغة الدستور بالتوازي مع حوار وطني واسع عن شكل مصر المستقبل ونستمع لمشاريع ورؤى مختلفة قبل تشكيل الجمعية التأسيسية.
على حد علمي صياغة دستور جديد لم يكن على أجندة حركة التغيير السنوات الماضية وبالتالي الحوار ده كله سنبدأه من الصفر وبخبرة قليلة.
 ثانيا الجيش وسلطة الرئاسة
طول الفترة الانتقالية ربما تكون أكثر نقطة عليها اختلاف، لكن يتخلل ذلك الاختلاف رؤى مختلفة للعلاقة مع الجيش، هناك من يثق في الجيش فعلا، ثقة تكاد تكون عمياء، وهناك من هم مثلي، لا يثقوا في الجيش بالمرة، ونراه يتباطئ في تنفيذ المطالب، ويحمي أمن الدولة ورموز الوطني وبعض كبار الفاسدين، ويحارب وبعنف استمرار الاحتجاجات والاضرابات والاعتصامات ومؤخرا تبين لنا انتهاكه حقوق المواطنين بشكل منهجي في صورة تعذيب واسع ومحاكمات عسكرية للمئات من المدنيين.
ما بين من لا يرى غضاضة في بقاء الجيش في الحكم وفي الشارع مهما طالت الفترة الانتقالية ومن يرى ضرورة عودة الجيش لثكناته فورا موافق متعددة. وحلول مختلفة لانهاء سلطة الجيش.
مجلس رئاسي
مجلس رئاسي يعينه الجيش (و يتم اختياره بالتوافق مع بعض قوى الثورة) حل وسط مطروح من قبل سقوط مبارك، والى الآن يتجاهله الجيش تماما. لا يعني مجلس رئاسي نهاية سلطة الجيش، بالعكس سيستمد المجلس سلطته من الجيش (و شرعيته من التحرير والثوار)، مشكلة السيناريو ده أنه أولا غير عملي، فالجيش لن يتنازل عن السلطة بدون ضغط شعبي شديد، وفي نفس الوقت شعبيته في تزايد وارتياح المجلس العسكري لدوره الحالي أيضا في تزايد والاعلام بما فيها المستقل ما بين مطبل ومسبح بحمد الجيش ومن يخاف أن يتعرض للجيش بأي نقد الى من يتفادى نقد الجيش بكلامه عن خطورة الفتنة ما بين الجيش والشعب. صراحة لا أرى مقدمات لتحرك شعبي للضغط من أجل تسليم السلطة لسلطة غير منتخبة.
انتخابات رئاسية سريعة
مؤخرا بدأ الكلام عن تقديم الانتخابات الرئاسية على البرلمانية، وأن يتم ذلك تحت اعلان دستوري مؤقت، يقلق البعض من فكرة انفراد شخص بالسلطة حتى لو منتخب، يتصور البعض أن اعلان دستورى قد يضمن تقليص هذا الخطر. شخصيا لا مانع عندي في البدء بانتخاب رئيس وتسليم الجيش السلطة له، الاستبداد لا يأتي فقط من انفراد السلطة ونص الدستور وانما من تكريس كل علاقات القوى بحيث تتجمع عند الرئيس، لن يحدث هذا في وقت قصير وبالتالي لا خوف (الا اذا انتخبنا شخصية عسكرية أو رمز من رموز النظام جاهز للاستبداد، لكن هنا أضع ثقتي في الشعب).
التعديلات
تقترح التعديلات البدء بانتخاب سلطة تشريعية وتلزم بصياغة دستور جديد، وبالتالي عند انتخاب رئيس يكون بشكل عملي رئيس يحكم وفقا لدستور مؤقت وبلا انفراد، وسيسلم الجيش السلطة وقتها بلا ضغط (وفقا لما أعلنه المجلس)، يعيبها ان سلطات الرئيس شبه مطلقة في تلك الفترة الانتقالية الثانية. لا أرى كيف يكون هذا السيناريو أسوأ من انتخابات رئاسية سريعة فحتى لو كان الاعلان الدستوري المؤقت أفضل من دستور 71 فيما يخص صلاحيات الرئيس الانفراد بالسلطة يجعل هذا فرق نظري جدا.
 ثالثا البرلمان وطول الفترة الانتقالية
كما قلنا طول الفترة الانتقالية مصدر أكبر خلاف واختلاف، يطالب البعض بفترة انتقالية طويلة (سمعت سنة وسنة ونصف وسنتان والأغلبية لا تحدد أي مدد) وتتراوح المبررات ما بين أن الشعب غير جاهز للانتخابات الى أن القوى السياسية غير جاهزة للانتخابات، أو أن الانتخابات السريعة ستجلب مجلس مكون من الأخوان والحزب الوطني.
الشعب غير جاهز
عيب اللي يقول كده ملوش مطرح في نقاش عن الديمقراطية، ويروح يقعد جنب نظيف وعمر سليمان ومبارك اللي مشاركينه في الرأي ده، مش هتكلم في الموضوع ده أصلا.
القوى السياسية غير جاهزة
لا أرى لماذا نأخذ الشعب رهينة ونحرمه من حقه في انتخاب من يمثله (و هو حق انتزع أخيرا بعد الثورة وبثمن غال جدا) لأن المعارضة كانت بتدلع، أيوه كانت بتدلع بدليل أن الأخوان جاهزين، لو كان اي تيار قادر على أن يكون جاهز لانتخابات رغم قمع مبارك (و الأخوان خدوا النصيب الأكبر من القمع) يبقى الباقي كمان كان له الفرصة.
الثورة ستفرز قوى جديدة وهذا يحتاج الى وقت
الطرح ده أنا موافق عليه، الثورة أثبتت أن كل قوى المعارضة تحت (بما فيها الأخوان) مبارك افراز نظامه ولا تعبر عن أكثر من خمس جمهور الثورة في أفضل تقدير، وبالتالي نأمل ونتوقع ظهور قوى وتيارات وأحزاب جديدة تعبر عن الجماهير الغير معبر عنها دي. المشكلة أن بعد ما عاشرت جمهور الثورة وعمل مع لجان حماية الثورة ومن يعمل مع العمال وغيرها من القوى الغير ممثلة مقتنع أننا هنحتاج لأكثر من سنتين على ما تظهر قوى جديدة وتبنى لنفسها قواعد شعبية واسعة، المشوار طويل قوي وبالتالي أفضل له أن يتم ظل سلطات منتخبة وبعد تحرير الاعلام. وغالبا المحليات (خصوصا تحت دستور جديد يلغي المركزية المبالغ فيها للدولة) مسرح أفضل لتجريب وتشكيل قوى شابة جديدة.
تحت البند ده خلط مع البند السابق حيث تقدم بعض القوى كأنها قوى جديدة ظهرت في الثورة ولم تأخذ فرصتها فين حين أن في حقيقيتها قوى وشخصيات فاعلة لسنين، في نظري ده موقف انتهازي يقدم فيه البعض نفسهم على أنهم قيادات الثورة ومحتاجين فترة يبنوا قاعدة شعبية بناء على هذا.
الانتخابات الآن تعني عودة الوطني
للأسف استبدلنا فزاعة الأخوان التي كان يستخدمها مبارك الى فزاعة تحالف الاخوان والوطني ان قمنا بانتخابات الآن، بل ويردد البعض بقناعة أن الانتخابات المبكرة ستؤدي الى اعادة خلق نفس النظام البرلماني.
السيناريو ده وهمي تماما يتجاهل حقيقة الوضع الحالي والوضع قبل الثورة كمان، الحزب الوطني كان يعتمد على من الناخبين، جداول انتخابية فاسدة فيها ميتين وأسامي مكررة ومقصى منها ملايين الناخبين، تسويد بطاقات، البلطجة، عنف الشرطة، منع الناخبين من التصويت، شراء أصوات، وكل ده في ظل مشاركة منخفضة جدا (في المتوسط 25% من الناخبين) وغياب الرقابة وتجاهل لأحكام القضاء (بحجة سيد قراره ومؤخرا رأينا أيضا تجاهل أحكام مجلس الدولة).
الانتخابات القادمة ستري رقابة قضائية ورقابة شعبية ومشاركة واسعة (أتوقع أن تفوق 70%) وهيبقى فيه التزام بأحكام القضاء (التعديلات تنهي سيد قراره)، مما يعني أن أي ممارسات غير قانونية كالبلطجة وشراء الأصوات أولا تأثيرها أصغر بناء على المشاركة الواسعة وثانية لن تفيد لسهولة اثبات تلك الانتهاكات في ظل رقابة شعبية وقضائية وبالتالي ستسقط النتائج في تلك المواد.
من الآخر كده، لو كان ينفع الوطني يسيطر في انتخابات نزيهة كان مبهدلنا وتزوير وبلطجة ليه؟ السيناريو ده غير منطقي وغير عقلاني لدرجة تجعلني أشك في نوايا بعض من يردده.
الاحتياج لسلطة تشريعية
للأسف النقطة دي لا تلاقي نقاش واسع رغم أنها ملحة جدا في رأيي، الوضع الحالي أننا بلا سلطة تشريعية (عدا قدرة المجلس العسكري على اصدار قوانين بمرسوم) في نفس الوقت العديد من الاصلاحات الملحة المرتبطة ارتباط وثيق بالثورة تستدعي اصلاحات قانونية وتصور أن يقوم المجلس العسكري أو سلطة تشريعية مؤقتة غير منتخبة بالقيام بها كلها غير عملي ولا مقبول.
مثلا الأجهزة الرقابية للدولة عطلت عن طريق قوانين تقلص دورها وصلاحياتها واستقلالياتها، بلا نيابة ادارية ورقابة ادارية فعالة سيستمر الفساد.
نفس الشيئ ينطبق بالنسبة للمطالب الاجتماعية الخاصة باصلاح الأجور أو التأمينات الاجتماعية أو حتى مطالب اصلاح الجامعة أو اعادة هيكلة الداخلية أو اعادة هيلكة الاعلام الحكومي، اصلاح المحليات، انتخاب المحافظين، اصلاح ضريبي، وما شابه.
في نظري الاحتياج لسلطة تشريعية ملح جدا، وبالتالي فترة انتقالية قصيرة أمر ضروري.

لقراءة التدوينة : http://bit.ly/hNdOAL

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *