مشاهد في قفص المحاكمة

محاكمتنا كانت في قاعة كبيرة في دار القضاء العالي. مشاهد في قفص المحاكمة

المنصة عليها القاضي الأساسي – عضو اليمين للمحمدي قنصوة – ومعاه 3 قضاة تانيين كلهم مثال لأسطورة “الشموخ” بشاراتهم الخضراء، وعلى يمينهم ممثل النيابة اللي بدون مبالغة نايم معظم الوقت.

في القاعة أفراد أمن – داخلية – وظيفتهم طوال انعقاد الجلسة إنهم يهشوا اي حد بيتكلم, بيتحرك, بيعدل جلسته, أو بينام في مكانه من التعب أو الزهق (ماعدا طبعا بتاع النيابة)

في أول الجلسة القاضي أمر أمين الشرطة يطلع كتير من الحضور في القاعة, وكان أساسا بينقي الستات الكبار – اللي هم أغلبهم أمهات مساجين – والدتي كانت واحدة منهم، وقامت هزقته على انه بيحرم أمهات من حضور جلسات أولادهم وسابتله القاعة.

كل مظاهر ادعاءات التحضر والنظام بتنتهي على حافة قفص الحجز داخل القاعة.
القفص أرضيته مزيج غريب من الزفت والطين وتراكمات سنين من القذارة. لو كان تخصصي البحثي دراسة فطريات وميكروبيولوجي, أعتقد كان ممكن أعمل دراسات كتيرة جدا على الأرضية دي.
من وساخة المكان ماحدش بيقعد على الأرض – دي مش تناكة مني- المحابيس الاحتياطي اللي جايين بلبس السجن ما رضيوش يقعدوا على الأرض، غير لما فرشنا ورق جرايد عليها عشان نعرف نقعد.
أول ما دخلنا القفص على 10:30 ص, كنا حوالي 15 متهم, مترصصين جنب بعض، ويا دوبك في مساحة اننا نسند ظهرنا على الحيطة الخشب اللي ورانا، أو نقعد على الجرايد الي فارشينها بس نلم رجلنا.

في أول القفص في اتنين قاعدين على كراسي ولما بييجي دورهم أمين الشرطة بييجي يقولهم بكل رقة “اتفضل يا دكتور” … الاتنين دول هم عاطف عبيد ويوسف والي, واكتشفنا ان القاضي لما طرد الأمهات من القاعة كان بيفضي مكان للناس اللي جايين يحضروا تبع عبيد ووالي.

على 11 ونص القفص كان فيه فوق ال 40 متهم, وبنفضل كدة لحد الساعة 6, متكدسين كأننا في عشة فراخ, كله واقف ومافيش مساحة تسند طول ولا تقعد, غير طبعا الحرامية الكبار اللي قاعدين على الكراسي في أول القفص

الشاب اللي كان واقف جنبي كان عمال يتمتم “مقبرة الأحياء, مقبرة الأحياء” . لفيت وسألته: “هنا؟ “، رد عليا: “هنا ولا حاجة, طرة مقبرة الأحياء”

ماعرفش إيه اللي خلاهم يبتدوا يحكوا.
أما كانوا بيحكوا لعلاء كانوا بيحكوله بأداء إن أكيد هوا عارف بيتكلموا عن إيه, لأنهم عرفوا انه اتحبس قبل كدة في نفس السجن اللي هم فيه (طرة تحقيق(.
معايا كانوا مصرين يحكولي على إني أكيد ماعرفش حقيقة السجون إيه, حاولت أفهمهم إني شغالة على ملف المعتقلين، وبعدين بطلت وقررت اسيبهم يحكولي.

–  اتكلموا عننا, اتكلموا عن المساجين، وجهنم اللي احنا عايشين فيها.
–  أهالينا بيتبهدلوا في الزيارة, يتلطعوا ساعتين عشان يدخلوا يشوفونا 10 دقايق, وبهدلة وقلة ادب وشتيمة في التفتيش, وممكن يتضربوا، وطبعا لو جايبين مثلا 7 خراطيش سجاير, الباشا لازم ياخد واحدة لنفسه عشان يدخلنا الحاجات.

–  لو يوم زي النهاردة يرجعونا على “الدواعي”* ويشربوكي شربة كدة تجيبلك كل اللي في بطنك، فيها زيت وطفي سجاير وصابون, ده غير هتك العرض, ويسيبوكي وانتي بتجيبي دم ولا حد يعبرك. كل ده عشان يفتشوكي, طب ما يجيبوا جهاز أشعة؟

وقتها ردت عليهم البنت الوحيدة اللي كانت معانا في القفص غيري، وقالتلهم ان في سجن القناطر عندهم جهاز أشعة فعلا.
– فاكر (قال اسم وبصراحة مش فاكراه, انطباعي انه ايهاب بس ممكن ابقى فاكرة غلط) من قيمة شهرين ضربوه لحد اما عمي, وبعد كدة خلوا الباقيين يشهدوا ان هو اللي عمل كدة في نفسه.
–  ولا الحبس لانفرادي, يدخلوكي – لامؤاخذة – من غير حاجة الا اللباس والفنلة في زنزانة صغيرة لوحدك, ويدلقوا مياه على الأرض ويسيبوكي ومعاكي ازازة مياه في اليوم. دي اللي تشربي منها, وتغسلي نفسك وتعملي حمام وكل حاجة.

كلهم متهمين في قضايا جنائية، منهم اللي في وسط الكلام قال انه لا فارق معاه اخوان ولا سيسي فارق معاه يطلع من جهنم دي.
وواحد بس منهم اللي قالي انه صعبان عليه الاخوان، لأن اللي منهم معاهم في السجن “بيشوفوا عذاب لا يمكن تتخيليه”.
وواحد منهم لما عرف إننا “تبع الثورة” اشتكى ان من بعد الثورة وهم بيتبهدلوا اكتر من الداخلية.

و تقريبا كل اللي اتكلمنا معاهم اجمعوا على حاجة واحدة هي ان الداخلية طايحة اليومين دول أكتر من قبل كدة.

أول ما القاضي خلص الجلسة ودخلوا غرفة المداولة وكنا منتظرين القرار، فتحوا القفص على طول، وخرجوا “الدكتور وزميله”، وفضلنا احنا بعديهم ساعة, وباقي المساجين أكتر, في انتظار القرار.

لما القاضي انسحب دي كانت اللحظة اللي كل المساجين مستنيينها من أول الجلسة، لأن دي فرصتهم بسرعة يتكلموا مع اهاليهم عبر الأسلاك ويطمنوا عليهم, واما فعلا ابتدوا ينادوا أهاليهم, اكتشف أكتر من حد منهم أن معظم الأهالي اتطردت برة القاعة.

اتنين من المتهمين معانا في القفص اكتشفوا انهم محشورين بقالهم ساعات في عشة الفراخ دي بالغلط، وإن جلستهم في قاعة تانية والظابط اللي دخلهم ما اخدش باله

و المشهد الآخير كان أن والد واحد من المتهمين كان عمال يحاول يدخل القاعة يطمن على ابنه، وبيستعطف بتوع الأمن، وفجأة كل حاجة حصلت بسرعة، وتحول المشهد لأن بتوع الأمن بيضربوا ويلطشوا فيه, وابنه المسجون معانا في القفص انهار، وابتدى يشتم ويصرخ انهم بيتشطروا على راجل مسن, وباقي المساجين عمالين يحاولوا يهدوه، ويترجوه يسكت عشان “الظباط ما يجولهومش”.
خرجت يومها قلبي واجعني جدا جدا .. مع اني عارفة كل الحاجات اللي سمعتها في القفص، لكن الكام ساعة المكثفين دول خلوني أفهم أكتر وأكتر قد ايه نظام مبارك مسيطر، وقد ايه إحنا بعاد أوي على إننا نضمن أي قدر من الحماية للمواطنين العاديين من بطش الداخلية والدولة.

بس يومها أكتر حاجة كانت وجعاني, إن قاعة فيها قضاة واعلام ومحاميين وجمهور, كلهم كانوا بيتعاملوا مع مشهد المساجين المحشورين في عشة فراخ بالساعات على إنه “مشهد عادي جداً”، وحتى لما والد المسجون حاول يدخل واتضرب، اغلب اللي كانوا في القاعة تعامل على إنه حدث هامشي، ماحاولوش حتى يتدخلوا يوقفوه.

انتهاكات الداخلية كتير منها بيحصل في أراضيهم, جوة القسم وفي السجون, ومعسكرات أمن مركزي, بس حتى اللي بيحصل منها في اماكن عامة أكتر, الناس ما بتحسش إنها حاجة تخصهم ولازم يتصدولها.

جالي هاجس مرعب يومها إن مذبحة عربية ترحيلات أبو زعبل كان ممكن جدا تحصل في وسط ميدان عام مزدحم بالناس, وأغلبنا كانوا هيكتفوا بالفرجة.

عارفة ان أغلب الناس شايفة إني باعمل من الحبة قبة، وعارفة إن كتير من الناس شايفين “دول مجرمين, يستاهلوا كدة واكتر”، وبعيد عن الدخول في الجدل العقيم بتاع المحبوس الاحتياطي نظريا بريء إلى أن تتم ادانته، بس حتى لو فعلا مجرمين, مدانين. ده مبرر لإيه؟ لفرمهم؟

إحنا محتاجين نعيد التفكير في إيه اللي احنا عايزينه من نظام التقاضي والعدالة عندنا؟
هل الهدف الأساسي منه إنه يبعد عننا اي حد مشتبه فيه أو اثبتت ادانته ويحدفه في حتة بعيد عننا، ومش مهم ايه اللي يحصله؟
هل الهدف إننا نرميه في منظومة بتهرس كل حتة انسانية فيه، وتطلعو كائن مشوه كاره للبلد والناس والنظام والعيشة؟
يتعذب, يتحطله مياه من بقه وفتحة الشرج لحد اما أحشاءه تنفجر, يتقفل عليه في مساحة ضيقة، ويتضرب غاز ويتساب لحد اما يتخنق, يتصعق بالكهرباء لحد اما روحه تتنفض برة جسمه, مش مهم ايه اللي يحصل المهم يحصل في صمت وبعيد عننا؟؟

و للقلة الغرباء اللي صدقوا ولسة مصدقين في نفس الحاجات اللي نزلوا عشانها يوم 25 يناير, واللي لسة نافوخهم ماتلحسش وشايفين الثورة ثورة مش مؤامرة, لازم نكمل, حقيقي ماعندناش اي اختيار غير اننا نكمل مش من منطلق “اليأس خيانة” والأي كلام ده. لكن من منطلق ان دي مسؤوليتنا
زي ما كانت مسؤوليتنا نشتغل على المحاكمات العسكرية لأنها زادت من بعد الثورة, والضحايا الأساسيين ناس ماختاروش يبقوا جزء من العركة السياسية أصلا.
كل يوم بيعدي الداخلية بتنتقم من الثورة بانها تبلطج على مواطنين عاديين غلابة مالهمش ضهر.
قدام كل واحد مننا بيتعرض لظلم, في مئات – يمكن آلاف- بيتعرضوا لظلم زيه وأسوأ، وماحدش يعرف عنهم حاجة.
مسؤوليتنا ننتصرلهم.
….
(*) زنزانة “دواعي أمنية” نظريا هي زنزانة لاستقبال السجناء الجدد لحد أما يتسكنوا في زنزانة مناسبة، اللي فهمته إن الفكرة منها إن أي سجين جديد يفضل فيها، لحد ما يتأكدوا إذا ماكانش فيه أي خصومات أو عداوات بينه وبين مساجين تانيين، عشان ما يتحطش في نفس الزنزانة معاهم وتحصل مشاكل, كمان يتأكدوا من تفتيشه وانه مش مهرب حاجة. لما السجون بتبقى مكدسة بتبقى الزنزانة مصدر تكدير للي فيها, وغير كدة ادارة السجون بتستغلها كطريقة لتكدير السجناء الاحتياطيين، واللي ممكن يوصل لتعذيب – بس يبقى باللوائح – بانهم ينقلوهم فيها بعد كل عرض نيابة، ويتعرضوا لتفتيش فيه انتهاكات جسدية.

 

كتبت الناشطة والمدونة منى سيف، منسقة حركة “لا للمحاكمات العسكرية” هذه التدوينة على صفحتها بموقع فيس بوك في 11 نوفمبر، متحدثة عن تجربتها في آخر جلسات محاكمتها مع أخيها في القضية المتهمين بها بحرق مقر حملة الفريق شقيق، وهي القضية التي اعاد فتحها النائب العام طلعت عبدالله في عهد الرئيس المعزول مرسي.

 تنتقد منى منظومة القضاء والداخلية، وتنقل قصص السجناء الجنائيين عن الانتهاكات التي يتعرضون لها أثناء ترحيلهم وسجنهم، وتستنكر النظرة السائدة باعتبار هؤلاء مجردين من أي حقوق.


للإطلاع على النص الأصلي وتعليقات القراء:

https://www.facebook.com/Monasosh/posts/10151964451849454

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *